أبي هلال العسكري
406
تصحيح الوجوه والنظائر
وكتب قدر والمكتوب بمعنى معلوم وبمعنى محدد ، قال أبو عبيدة : كتب قضى ، وكتب حفظ . والكتب في القرآن على خمسة أوجه : الأول : بمعنى الفرض ، قال اللّه : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [ سورة البقرة آية : 179 ] ، أي : فرض ، وإنما جعل الفرض كتبا ؛ لأنه فرضه في الكتاب وهو في القرآن ، ومثله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ سورة البقرة آية : 183 ] ، ومثله كثير . الثاني : كتب قضى ، قال اللّه : لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ سورة المجادلة آية : 21 ] ، ومثله : لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ سورة التوبة آية : 51 ] ، ومثله : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ [ سورة الحج آية : 4 ] أي : قضى وبين ؛ لأن كل من تولاك ضال ، وقال : لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [ سورة آل عمران آية : 154 ] ، أي : قضى وذلك أن اللّه يقضي عليهم بالموت عند القتل لا محالة ، فجعل القتل من قضائه لأنه سبب لما يقضيه ، وهو الموت . وليس ذلك بموجب أن يكون الذين قتلوا المؤمنين كانوا لا يقدرون على أن يقتلوهم ؛ لأنهم لو كانوا كذلك ما نهاهم اللّه عن قتلهم ، ولكن كان في المعلوم أنهم سيختارون قتلهم مع قدرتهم على تركه ؛ كما أن ما كتب أو أخبر أنه سيفعله فهو سكون لا محالة ، وأن اللّه قادر على أن لا يفعله . ونزلت هذه الآية في قصة أحد لما أصيب بها المسلمون ، فقال المنافقون : لو كان لنا من الأمر شيء ما قلنا هاهنا ، أي : لو كان ما يزعمه محمد حقا ما قتل إخواننا هاهنا ؛ يعنون السلطان والغلبة ، فجعل قتل إخوانهم وأوليائهم قتلا لهم ، لأنهم منهم فأجابهم اللّه بقوله : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [ سورة آل عمران آية : 154 ] ، أي : لو قعد ثم في بيوتكم أراده السلامة لخرج منكم الذين كتب اللّه ؛ وعلم أنهم يقتلون إلى مضاجعهم ، أي : مصارعهم ، ولم يرد القتل عنهم قعودكم ، لأن خلاف ما علمه لا يكون .